المنتدى الأدبي لمدرسة دار الكلمة
مرحباً بك عضواً جديداً في المنتدى الأدبي لمدرسة دار الكلمة


إشراف المعلم: سلامة رزق الله
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 قصيدة رثاء الممالك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المعلم
المدير العام


عدد المساهمات: 1932
تاريخ التسجيل: 27/08/2007
العمر: 55

مُساهمةموضوع: قصيدة رثاء الممالك    الأحد 28 نوفمبر 2010, 19:18

q رثاء الممالك

q الأفكار :

جاءت أفكار النص في مجملها تخدم الموضوع الذي تناوله الشاعر ، يبدأ نصه بحكمة وبمبدأ ( لكل شيء إذا ما تم نقصان ) ، ( من سره زمن ساءته أزمان ) في إشارة إلى أن الموضوع المتحدث عنه يشير إلى التغيير من الحسن إلى السيئ ) وينتقل للحديث عن لب الموضوع : ما أصاب ويصيب بلاد الأندلس من مصائب عظيمة تصعب المواساة فيها ( دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ) ، اهتزت لهولها جبال شبه الجزيرة العربية ، وبكت الشريعة الإسلامية آسفة على فقدان مواقع لها ( بكت الحنيفية البيضاء من أسف …… علـى ديار من الإسلام خالية ) وحلول الكفر بدل الإيمان فيها ، وبالغ شاعرنا فأبكى المحاريب والمنابر على الإسلام المفقود في الأندلس.

ثم وجه حديثه للجيوش الإسلامية المدججة بالسلاح والقادرة على إحداث التغيير وجلب النصر ( يا راكبين عتاق الخيل ضامرة ) ، ( حاملين سيوف الهند مرهفة ) والذين يعيشون بسبب هذه القوة حياة رغد ودعة ( راتعين وراء البحر في دعة ) ، ( لهم بأوطانهم عز وسلطان ) حتى أنهم ما عادوا يهتمون بأنباء المسلمين في البلدان الأخرى ، رغم أن المسافرين يتناقلون هذه الأنباء والأحداث ( سرى بحديث القوم ركبان ) ، ويتحدثون عن استغاثة الأندلسيين دون استجابة ( كم يستغيث بنو المستضعفين وهم أسرى وقتلى فما يهتز إنسان )

ويوج لومه إلى البلدان الإسلامية المتنافرة ( ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ) ، رغم ما يدعو إليه الإسلام من إخاء . ويتساءل ألا توجد( نفوس أبيات لها همم ) تعيد الإسلام إلى الأندلس . ويتحدث عن حال الأندلسيين بعدما حل بهم ( يا من لذلة قوم بعد عزهم ) وعن حيرتهم بدون قائد أو مرشد لهم ( حيارى لا دليل لهم ) يهربون من الأسر والبيع كعبيد ( لو رأيت بكاهم عند بيعهم لهالك الأمر واستهوتك أحزان ) ويقدم مثالاً لذلك ( أم وطفل حيل بينهما كما تفرق أرواح وأبدان ) وهي مواقف تذيب قلوب المسلمين حزناً وأسى ، فهل بقي مسلمون ومؤمنون ……….

q أسلوب وطريقة العرض :

كتب الشاعر نصه في القرن الهجري السابع ، تدفعه مشاعر الألم لما يحل بالإسلام والمسلمين في الأندلس ، لذا جاءت عاطفته مزيجاً من العاطفة الذاتية والدينية ، واستخدم ألفاظاً دالة على المعاناة والحزن ، ولأن غرض الشاعر استثارة همم الأمة الإسلامية لنصرة إخوانهم فقد استخدم مفردات سهلة مألوفة ، وإن احتوت على ألفاظ جديدة علينا ، فمرد ذلك المسافة الزمنية بين وقت كتابة القصيدة وتلقي السامع لها .

يبدأ الشاعر نصه برأي ومبدأ وحكمة ، فعبارته تحوى الثلاثة ، يقول ( لكل شيء إذا ما تم نقصان ) فبعد أن يصل الشيء في مراحل نموه إلى تمام النضج والكمال حتى يبدأ في التناقص ، قدرة وكمالاً وهذا ما فهمه المسلمون والصحابة من قوله تعالى على لسان رسوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) فاستشعروا قرب انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى فكأننا في بداية حياتنا نصعد إلى أعلى منحنى النمو والكمال والتمام فمتى وصلنا القمة نبدأ بالانحدار ، أي يتناقص هذا الكمال هبوطاً إلى الانتهاء ، وينطبق هذا المبدأ على الإنسان ، كما ينطبق على الدول وهذا ما ذكره ابن خلدون في مقدمته ……… وقدم شبه الجملة( لكل شيء ) للتعميم ، واستخدم اسم الشرط ( إذا ) الذي يؤكد ما بعده ( النقصان بعد التمام ) ، و ( ما ) بعد ( إذا ) زائدة ، والتضاد بين ( تم ) و ( نقصان ) لتوضيح المعنى ولا يفيد هنا الشمول ، وأصل أسلوب الشرط : ( إذا ما تم كل شيء بدأ نقصه ) ، أو ما شابه ، وتأتي النتيجة ، أو التطبيق لهذا المبدأ ( فلا يغر بطيب العيش إنسان ) و ( لا ) ناهية ، و ( يغر ) فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه سكون مقدر للتعذر بسبب التقاء ساكنين : حرف الراء الأول والثاني المدغم ، والراء آخر الفعل المضارع ، والعرب استبدلت بالسكون الثاني في هذا الموقع أحد أمرين : ضم الراء الثانية ( فلا يغرُّ ) أو فتحها ( لا يغرَّ ) والفتح أخف في النطق وأدل على حدوث تغيير في الإعراب ناجم عن دخول لا الناهية ، وحتى لا يحدث التباس بلا النافية ، التي لا تعمل في الفعل المضارع ، وقدم ( طيب العيش ) للتحديد ، وقيل بل لضبط الوزن ، وربما للأمرين معاً . وجاءت ( إنسان ) نكرة للتعميم .

ويكمل ( هي الأمور كما شاهدتها دول ) و ( هي ) ضمير الشأن أو القصة أو الحكاية ……… مبتدأ مبني في محل رفع والجملة الاسمية ( الأمور دول ) في محل رفع الخبر ، وقيل : بل هي مبتدأ ، والأمور : بدل منها ودول خبر المبتدأ ، و ( أل ) في ( الأمور ) جنسية لا عهدية ، فلا تكسبها تعريفاً ، و ( شاهد ) الشيء رآه ، أو عايشه أو عاصره ، أو تأمله وحلله ، فاكتشف أنها لا تبقى على حال ، أو كما يقولون : ( بقاء الحال من المحال ) ……… ويصل من خلال خبرته إلى تعميم أو مبدأ ( من سره زمن ساءته أزمان ) ومع أن الأفعال المستخدمة ماضوية إلى أنها من خلال صوغها في مبدأ أو تعميم اكتسبت معنى الاستمرار ( الماضي والحاضر والمستقبل ) واستخدم ( زمن ) مع ( سره ) و ( أزمان ) مع ساءته ليشير إلى طول فترة الشقاء ، وقصر فترة السعادة .

ونقف مع الشاعر عند هذا التقديم الذي يرى فيه أن من الطبيعي أن يخلف الكمال نقصاناً وأن الحزن يفوق السرور في امتداده الزمني وفي الإحساس به ، وكأنه يقول : إن ما حدث في الأندلس يتفق مع طبيعة الأمور ، ومع المبادئ الكونية ، ونتساءل : إذا كانت هذه سنة الحياة ، فأين التناقض ، ولماذا نحزن نستاء من الأشياء العادية والمتوقعة . إن إدراك هذه المبادئ يخفف من إحساسنا بالمصيبة ، ويجعلنا أكثر تقبلاً لها ، ورضا بواقعنا الجديد لكننا نحزن عند وفاة عزيز علينا ، مع إدراكنا أن الموت حق ………… ومع هذا فنحن لسنا مع هذا التقديم رغم موافقتنا على المبادئ المذكورة لأنه يتنافى واستثارة الهمم لرفض ما حل بالأندلس ، والتصدي له بالقوة ، وهذا أحد أغراض الشاعر من نصه . فليس هذا الموقع المناسب للاستشهاد بالمبادئ المذكورة . وربما رأى البعض أن الحديث في البيتين السابقين موجه إلى الحكام والقادة والخلفاء المسلمين ، فحالكم هذا من قوة وعز ورفاهية حال غير دائم ، وسيأتيكم زمن تحتاجون فيه إلى مساعدة الآخرين ، وربما تستغيثون استغاثاتم ، فاتعظوا ، وانهضوا لنصرة إخوانكم ، فالبيتان بهذه الرؤية ، يحملان معاني الحث والاستنهاض . وينتقل بعد ذلك إلى عرض ما حل بالأندلس فيقول : ( دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ) و ( دهى ) أصابها بداهية ، أي مصيبة عظيمة ، وقصد بالجزيرة الأندلس ، وجاءت ( أمر ) نكرة لتفيد التضخيم ، وهي نكرة غير محضة بسبب وصفها بـ ( لا عزاء له ) والعزاء : المواساة والتسرية للتخفيف عن المصاب ، و ( لا ) نافية للجنس ، أي نافية لأي عزاء ممكن أو محتمل والعبارة تشير إلى عظم المصيبة التي حلت ، وهي داهية لا ينحصر أثرها في بلاد الأندلس ، بل يمتد إلى كل البقاع الإسلامية ، فنرى جبل أحد قد هوى وجبل ثهلان انهد . ويختلف معنى ( هوى ) عن معنى ( انهد ) ، فـ ( هوى ) تعني سقط من أعلى إلى أسفل ، وتحطم بسبب سقوطه ، و ( هوى ) أيضاً ثكل ، أما ( انهد ) فتعني : وهن وضعف ، كما تعني انكسر بشدة وبصوت ، والانكسار مادي ومعنوي ، وإذا كان ( أحد ) يرتبط بذاكرة الإسلام والمسلمين وشهد انتصار المسلمين وهزيمتهم ، فنحن لا نجد مناسبة لاختيار جبل ( ثهلان ) إلا إتمام القافية والميزان الشعري وقد يرى البعض أن جبل ( أحد ) ليس الاختيار الأنسب ، لأنه ارتبط في أذهان المسلمين بالهزيمة ، لا بالنصر . وقد يكون سبب الاختيار يرتبط بحجم الجبلين ( أحد وثهلان ) وكونهما من أضخم جبال شبه الجزيرة العربية ، أي يفترض أن يكونا أكثر تحملاً من غيرهما .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dar-alkalima.forumotion.com
المعلم
المدير العام


عدد المساهمات: 1932
تاريخ التسجيل: 27/08/2007
العمر: 55

مُساهمةموضوع: رد: قصيدة رثاء الممالك    الأحد 28 نوفمبر 2010, 07:19

ويكمل الشاعر ( تبكي الحنيفية البيضاء من أسف كما بكى لفراق الألف هيمان ) و ( الحنيفية ) كناية عن الإسلام ، دين الحق والعدل والخير و ( البيضاء ) كناية عن سماحتها ونقائها وعطائها والإسلام يبكي حزناً وأسى على ما أصاب مدن الأندلس من انهيارات وضياع ، ويشبهه بألم الفراق الذي يصيب الهيمان ( شديد الحب والوجد ) إذا فارقه أليفه ( حبيبه ) الذي يألفه ، وهي مقارنة نرى أن الشاعر لم يوفق فيها ، فرغم وجه الشبه الذي سعى إليه الشاعر ( شدة الألم وعظم المصاب ) إلا أن مقارنة سقوط مدن الأندلس ، بفراق المحب ليست بالاختيار الأنسب لإظهار عظم المصاب ، فلسنا في موقف استحضار صورة محب فقد حبيبه …… فاختيار الصورة المقدمة للمشابهة لا يحقق مشاعر الحزن والأسى بل قد تستحضر نفوراً واستهجاناً ، من هذه العلاقة التي قد توحي بالعشق والخروج عن روح الإسلام …………

ويبين الشاعر سبب بكاء ( الحنيفية البيضاء من أسف ) فيقول مكملاً :(على ديار من الإسلام خالية. ) و ( ديار ) جمع دار وتعني هنا المدن ، وقدم ( من الإسلام ) لتحديد سبب البكاء ، وقيل لضرورة الوزن ولعله للأمرين معاً ، و ( خالية ) لا تفي بالغرض ، وربما كان الأفضل ( أخليت ) أو أوجدت على الإخلاء لن خالية قد تفيد لم يصلها الإسلام سابقاً ، لكنه يعود ليوضح مضمون خالية : ( قد أقفرت ) ، و ( أقفرت ) تعني كانت عامرة ثم تحولت ، فوزن ( أفعل ) من معانيه الصيرورة أي صارت قفراً ، وبعد أقفرت محذوف تقديره ( من الإسلام ) .

ويكمل ( ولها بالكفر عمران ) وشبه الجملة ( لها ) في محل رفع خبر مقدم ، ولا يصلح ( بالكفر ) خبراً لعمران ، ونحن لسنا مع وصف حال الكفر ( عمران ) فالعمران للبناء وتحسن الحال والتمدن ، ولا نعتقد بأن الشاعر رأى ذلك .

ويكمل الشاعر : ( حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ، حتى المنابر ترثي وهي عيدان ) و ( حتى ) هنا ابتدائية غائية ، فقد تأثرت كل الموجودات حتى وصل التأثر للمحاريب فأخذت تبكي ، والمحراب موضع الإمام ، والمنبر : مكان يرتفع يرتقيه الخطيب أو الواعظ ، يكلم فيه الجميع ، والمحاريب والمنابر مواضع في المساجد ، ومن الطبيعي أن تتأثر ، بل وتأثرها يسبق غيرها من الموجودات خاصة وأنه لم يحدد موقع هذه المحاريب والمنابر ، فجعلها بذلك في كل بقعة إسلامية وقيل بل منابر جوامع الأندلس ، ونحن نرى أن الشاعر لم يوفق في استخدام ( حتى ) في هذا الموضع لأن المحاريب لارتباطها بالإسلام الأسرع تأثراً ، و ( حتى ) لغائيتها تجعل ما بعدها نهاية ، فآخر من تأثر المحاريب والمنابر …… وقد يقول قائل ، أن ما ذهب إليه الشاعر : أن التأثر تجاوز الإنسان بل والكائنات الحية ووصل إلى الجماد ، والمحاريب والمنابر الجامدة تأثرت وعبرت عن مشاعرها ، ولكن الأجسام غير الحية كثيرة ، وكان بإمكانه اختيار غيرها …… حتى الصخور أو الجبال …… بكت .

ومن ناحية أخرى فقد وفق في جعل المحاريب تبكي ، والبكاء للأحياء ، بل للعاقل منها والمحاريب جامدة صلبة ، كما وفق في ربط المنابر ( مواقع الخطابة ) بالرثاء ؛ والرثاء إظهار المناقب والإشادة بإنجازات وشخصية الفقيد ، والعيدان الأغصان أو الأخشاب ، وهي الأصول التي تصنع منها المنابر .

ويكمل ( يا راكبين عتاق الخيل ضامرة كأنها في مجال السبق عقبان ) ، والشاعر هنا يوجه حديثه إلى خلفاء المسلمين ، أو إلى المقاتلين من فرسان الإسلام ، والمدافعين عن الإسلام وثراه ، وعتاق الخيل أروعها وأفضلها ، أي أكثرها أصالة وقدرة ودربة لذا فهي نحيفة ضامرة ، يملؤها النشاط والحيوية ، وهي في سرعتها واندفاعها كأنها عقبان ، والعقبان مفردها عقاب من الطيور الجارحة التي تتصف بالقوة وسرعة الانقضاض على فرائسها ، ونحن نعتقد أن بعد ( مجال السبق ) محذوف ، تقديره للحاق بالفريسة أو بالعدو و ( مجال السبق ) قد يكون وجه الشبه ، فهما يتشابهان في سرعتهما أثناء السباق ، وقد يقصد بـ ( مجال السبق ) أرض المعركة ، ويكون وجه الشبه سرعة الانقضاض ودقته . و( راكبين ) نداء منصوب لأنه شبيه بالمضاف . وعطف عليه ( وحاملين سيوف الهند مرهفة كأنها في ظلام النقع نيران ) ، و ( سيوف ) كـ ( عتاق ) تعرب مفعولاً به منصوباً لاسم الفاعل و ( سيوف الهند ) مشهورة بصلابتها وبترها وتمكن الفارس من مقبضها . ومع أن التعبير بـ ( سيوف الهند ) يحمل كل هذه الدلالات إلا أن الشاعر يبين حالها بقوله ( مرهفة ) أي مدققة الحد براقة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dar-alkalima.forumotion.com
المعلم
المدير العام


عدد المساهمات: 1932
تاريخ التسجيل: 27/08/2007
العمر: 55

مُساهمةموضوع: رد: قصيدة رثاء الممالك    الأحد 28 نوفمبر 2010, 07:20

ويكمل رسم صورته ، فيجعل هذه السيوف تخوض المعركة ، ويحتدم القتال ، ويرتفع الغبار ويحجب نور الشمس فتظلم الدنيا ، وتبقي السيوف الهندية التي يحملونها برهافتها وحدتها هي مصدر الضوء الوحيد بل النور القوي وكأنها بحركتها وتوزعها وانتقالها نيران نار كبيرة متسعة .

والشاعر جعل هذه الفئة من المسلمين تمتلك قوة عسكرية قوية وضاربة : سلاح الفرسان ( عتاق الخيل ) والسيوف الهندية المرهفة البتارة ، وأضاف نتيجة منطقية لهذه القوة العسكرية ( راتعين وراء البحر في دعة لهم بأوطانهم عز وسلطان ) و ( راتعين ) متنعمين بالخيرات الوفيرة والقادرين على تحقيق رغباتهم و ( وراء البحر ) إشارة إلى جميع المسلمين خارج الأندلس وقيل المقصود الذين يعيشون في شمال أفريقيا فهم الأقرب والأقدر على تقديم المساعدة ، وإن كانوا متفرقين في دويلات الطوائف ولكننا لا نزعم بأنه يقصد أهل شبه الجزيرة العربية ، فما كانت الخلافة في تلك الفترة فيهم ولعله يقصد الفاطميين في مصر فهم الذين امتدت دولتهم وتمتعت برفاهية ، وكان بإمكانهم لو أرادوا - تقديم المساعدة المطلوبة ، ويبقى الاحتمال الأقوى أنه يقصد مسلمي شمال أفريقيا . و ( الدعة ) : السكينة والراحة ، ووفرة أسباب الحياة ، وهذه الحياة نتيجة طبيعية لـ ( لهم بأوطانهم عز وسلطان ) و ( العز ) القوة والمنعة وهي جالبة لما بعدها ( السلطان ) .

والأبيات الثلاثة السابقة مع أنها تتحدث عن القوة العسكرية والرفاهية التي يعيشها المسلمون المعنيون ( أبناء شمال إفريقيا أو ما عداهم ……… ) إلا أنها تحمل بذور اتهامات لهم بالابتعاد والانقطاع عن المسلمين . لذا يكمل باستفهام يفيد الاستنكار الممزوج ببعض اللوم وبعض الاستهزاء ( أعندكم نبأ من أهل أندلس ، فقد سرى بحديث القوم ركبان ) وقدم شبه الجملة ( عندكم ) لأنها موضع الاستنكار …… ألا يكن لديكم أنباء …… وأنتم سادة القوم ، وجاء ( نبأ ) نكرة ليفيد القلة ( أي نبأ ) ، وأهل الأندلس أصحابه وأبناءه الذين يعيشون فيه ويعمروه ………… وقد يبدو الاستفهام حتى الآن حقيقياً ويحتاج إلى إجابة ، لكن التكملة توحي بما ذهبنا إليه من الغرض من الاستفهام يقول ( فقد سرى بحديث القوم ركبان ) فالحديث عما جرى ويجري في الأندلس يتناقله الركبان ( الذين ينتقلون من مكان إلى آخر راكبين ) والمقصود التجار والرحالة ورجال العلم الذين مروا بالأندلس أو انطلقوا منها أو سمعوا من الأقوام التي يمرون بها ما حدث ويحدث في الأندلس ، فكيف لا تصل هذه الأنباء إلى الحكام المسلمين الراتعين في دعة ، وأكد الشاعر قوله بـ ( قد ) . و ( سرى ) سار ليلاً وتفيد أيضاً معنى الانتشار و ( حديث القوم ) الحديث الدائر عن القوم ، أو حديثهم عن ذاتهم .

ويكمل شاعرنا مبتدئاً بـ ( كم ) الخبرية ( كم يستغيث بنو المستضعفين وهم أسرى وقتلى فما يهتز إنسان ) فأهل الأندلس أطلقوا الكثير من الاستغاثات وما من مستجيب ، و ( كم ) للتكثير ، و( بنو المستضعفين ) كناية عن أهل الأندلس ، والتعبير يشير إلى كثرة استغاثات الاستضعاف ليس جديداً عليهم ، أو حدثاً طارئاً فآباؤهم مستضعفون من قبلهم ، وهو تعبير لم يوفق الشاعر فيه ، فآباؤهم سادة الأندلس وأشرافها ……… وقد يرى البعض أن المقصود أنهم أبناء الاستضعاف ،أي أحاط بهم الاستضعاف من كل جانب ، وتملكهم حتى أصبحوا أبناءه ولا يعني الامتداد الزمني والفعلي لآبائهم . وبعد ( يستغيث ) محذوف تقديره بالمسلمين لنجدتهم ويبين حالهم عند استغاثتهم ( وهم أسرى وقتلى ) وقد يعني هذا أن المسلمين تأخروا في استغاثتهم حتى وقعوا في الأسر ، وقد يكون المعنى أنهم استغاثوا كثيراً دون استجابة حتى وصل حالهم إلى وقوعهم في الأسر أو سقوطهم قتلى …… وقد تكون ( أسرى وقتلى ) هي الحال التي سيؤولون إليها إذا لم يسارع المسلمون لنجدتهم ، ولكن ( ما يهتز إنسان ) والاهتزاز ناتج عن التأثر والانفعال أو بداية تحرك للنجدة ، فالمسلمون لم يشعروا بما يحدث في الأندلس ، أو سمعوا ولكنهم لم يتأثروا ، أو تأثروا لكن لم يهتزوا ، ( لم يهتز إنسان ) تنفي تحرك أي إنسان للاستجابة للاستغاثات ، أو تثبت أن كل المسلمين تخلوا عن نجدة أهل الأندلس .

وينتقل الشاعر إلى عتاب المسلمين لأننا لا نعتقد أن قوله يرقى إلى مستوى اللوم أو التقريع يقول ( ماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوان ) ، و ( ماذا ) تتكون من كلمتين ( ما ) الاستفهامية واسم الإشارة ( ذا ) ، وكأن الشاعر قال : ( ما هذا التقاطع ) والتقاطع ضد التواصل ، وتفيد معنى الاختلاف والتنافر الذي وصل إلى حد القطيعة ( والتقاطع في الإسلام ) تفيد أن كل فريق اتخذ من حرصه على الإسلام مبرراً لهذه القطيعة ، مستخدماً النصوص القرآنية حجة لموقفه ، متناسين قوله تعالى : " فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً " . و قوله : " إنما المؤمنون إخوة " ، فكيف لا يستجيبون لاستغاثاتهم ،والنداء في ( يا عباد الله ) للتقريع.

ويكمل باللهجة نفسها : ( ألا نفوس أبيات لها همم ) و ( ألا ) هنا للتحضيض وهي تدخل على الجملة الفعلية ، لذا يقدر فعل محذوف مثل ( توجد ) ، و ( نفوس ) فاعل للفعل المحذوف وهي ( نفوس أبيات ) ترفض الضيم والذل والهوان تملؤها النخوة الإسلامية ، لها ( همم ) عزائم قوية فاعلة ، وقيل أن ( ألا ) هنا تتكون من كلمتين همزة الاستفهام ، و ( لا ) النافية ، وأن الاستفهام هنا يفيد التحضيض ، وربما كان القول الثاني أقرب إلى الصواب في هذا الموقع ، لأن الشاعر يكمل ( أما على الخير أنصار وأعوان ) ، و ( أما ) تشبه ( ألا ) في تكوينها من استفهام ونفي ، وإفادتها التحضيض ، وكذا وجود محذوف بعدها تقديره ( يوجد ) أو ما يشبهه ، وقدم ( على الخير ) لأهميتها ، وتركيز الاهتمام حولها ، و( أنصار ) مفردها نصير ، ويشير إلى من يقف معك ويساندك في دفع ضرر أو رد عدو ، وقد تكون المساندة مادية أو معنوية ، مساندة بالرأي وبالمشورة ، و ( أعوان ) مفردها عون وتشير إلى من يقدم المساعدة في خير أو في التخلص من شر ، والمعنيان لـ ( أنصار وأعوان ) متقاربان ، إلا أن الأنصار أكثر التقاء والتصاقاً فكرياً ومعنوياً وعاطفياً وصداقة من الأعوان ، فالنصير إلف وأليف ، وقد لا يكون المعين إلفاً .

ويكمل ( يا من لذلة قوم بعد عزهم أحال حالهم كفر وطغيان ) ويرى البعض أن ( من ) هي المنادى ، وكأن الجملة : ( يا من لذلة قوم بعد عزهم انهضوا لنصرة مسلمي الأندلس ) ، ويرى آخرون أن المنادى محذوف تقديره : ( ناس ، مسلمون ، أبطال ، …….. ) وتكون الجملة يا ناس من لذلة قوم بعد عزهم ، وتصبح ( من ) استفهامية استعطافية و ( ذلة قوم بعد عزهم ) أكثر تأثيراً ، فالذي لم يذق طعم العزة ، لا يدرك إحساس من عاشها ثم فقدها ، والذي تربى على المذلة و الهوان ، قليل التأثر بمذلة جديدة ، أو هوان جديد .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dar-alkalima.forumotion.com
المعلم
المدير العام


عدد المساهمات: 1932
تاريخ التسجيل: 27/08/2007
العمر: 55

مُساهمةموضوع: رد: قصيدة رثاء الممالك    الأحد 28 نوفمبر 2010, 07:20

ويكمل ( أحال حالهم كفر وطغيان ) و ( كفر ) فاعل أحال و في العبارة محذوف نفهمه من السياق وكأن المعنى أحال الكفر والطغيان حالهم من عزة إلى مذلة والكفر مضاد الإيمان ، والطغيان تجاوز الحد في الكفر وفي العدوان ……….

وينتقل مستخدماً الالتفات ، فيحدث المخاطب بدل الغائب فيقول : ( فلو تراهم حيارى لا دليل لهم ، عليهم من ثياب الذل ألوان ) ، و ( لو ) إذا دخلت على الفعل المضارع تحمل معنى ( إن ) ولا تحمل معنى امتناع الجواب لامتناع الشرط ، وهي هنا تقلب معنى المضارع إلى الماضي ، وجواب الشرط محذوف ، يجوز تقديره ( لو تراهم لرأيتهم حيارى لا دليل لهم ……… ) ويجوز القول : ( لو تراهم حيارى لا دليل لهم لأشفقت عليهم …… ) ويمكنك اختيار أي إكمال مناسب . وحيارى بسبب حالهم ( لا دليل لهم ) والدليل هنا المرشد أو الحاكم أو القائد ……… وحيرتهم حول ماذا يفعلون ……… وغياب القائد المرشد يشير إلى ما أصاب الأندلس من ضعف وتمزق وخلاف ، وإلى هروب الحكام وتركهم المسلمين يواجهون قوات الأسبان بدون قيادة أو إعداد ، ويكون المصير الهزيمة والطرد .

ويكمل رسم صورتهم ( عليهم من ثياب الذل ألوان ) وهو تصوير يشير إلى أن الذل كساهم والتصق بهم ، بحيث أصبح من الصعب عليهم التخلص منه و ( ألوان ) تفيد تنوع الذل ، ذل من فقد سلطانه وعزته ومن فقد بيته وقوت يومه ، وربما فقد أعزاءه …….

ويكمل في محاولة لاستثارة السامع ( ولو رأيت بكاهم عند بيعهم لهالك الأمر واستهوتك أحزان ) و ( لو ) هنا قيل تفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط فأنت لم تهل لأنك لم تر ، وقيل أن الجواب هنا لا يمتنع ولو امتنع فعله فقد يهولك الأمر حتى لو لم تر بكاءهم ، و ( البكاء ) هنا بكاء قهر ومرارة على عز مفقود ، و ( عند بيعهم ) في إشارة إلى أسرهم وتحولهم ( وهم السادة ) إلى عبيد ، وما أقسى أن يصبح السيد عبداً ، و ( هالك ) أصابك الفزع ، واستكبرت الحدث واستهجنته ، و ( الأمر ) ما حدث لهم من هزائم وما وصلوا من مذلة ، والاستهواء ذهاب للعقل وحيرة ، كما تحمل معنى الميل الشديد ، وكأن الشاعر أراد باستخدامه ( استهوتك أحزان ) عشقتك ، وتملكتك ، فعشقت الأحزان ، ونحن نرى أن استخدام ( استهوتك ) بما تحمل من ظلال الميل و الحب والعشق والهيمام ، غير مناسبة في هذا الموقع ، رغم وجه المشابهة الذي قصده الشاعر ، وربما ( أغرقتك أحزان ) أكثر توفيقاً .

ثم يعود إلى ضمير الغائب ليصور حال الأسرة المسلمة في هذه الحال الجديدة ، عله يستنهض همم من فقدوا هممهم ، أو فقدتهم هممهم فيقول : ( يا رب أم وطفل حيل بينهما ، كما تفرق أرواح وأبدان ) فيصور تحولهم إلى رقيق ، يفصل بين الأم وطفلها عند بيع أي منهما أو كلاهما كما تنزع الأرواح من الأجساد ، فتموت الأم كمداً ، و ( يا ) هنا لمجرد التنبيه و ( رب ) حرف جر شبيه بالزائد يفيد القلة أو الكثرة حسب السياق ، ونظن أنها تفيد هنا الكثرة لأن الشاعر في موقع استنهاض الهمم ، و( حيل ) بمعنى فرق بينهما ، والطفل أكثر التصاقاً بأمه وحاجة لها ، وهي أكثر ارتباطاً به وحرصاً عليه ، ويرى البعض أن استخدام ( رضيعها ) أكثر تأثيراً على السامع ، ولا نجد كبير اختلاف بين الاستخدامين ، خاصة وأنه يصف حالهم عند التفريق بينهما ( كما تفرق أرواح وأبدان ) فالأم كمن انتزعت منها روحها ، والطفل أيضاً لا بقاء له بعدها كأن روحه نزعت منه ، فكل منهما فقد روحه بفقدان جزئه الآخر ، وينهي قصيدته ببيت يقول فيه ( لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام و إيمان ) وهو بيت يضعف حالة الانفعال الذي عمد الشاعر إلى زيادتها لدى السامع ، وبعد ( هذا ) محذوف تقديره ( الحدث ) ، وفي يذوب القلب تصوير و ( الكمد ) تغير اللون وذهاب صفائه من حزن وغم شديدين ، و ( إن كان في القلب إسلام وإيمان ) ليست بغرض التقليل والشك في الوجود ، بل للحض والتحريض ، وهي خاتمة نراها ضعيفة هزيلة بعد عرضه لصور القوم وتمزقهم وحيرتهم ، ولسبيهم وبيعهم كعبيد …… .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dar-alkalima.forumotion.com
 

قصيدة رثاء الممالك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى الأدبي لمدرسة دار الكلمة ::  :: -